أسلوبُ العقاب، خصوصًا حين يتحوّل إلى مخاصمة، إقصاء، إذلال، أو استعراض قوة، هو في جوهره أسلوب فاشل وعاجز، لأنه لا يُصلِح ولا يُقوِّم، بل يكشف عن ضعف في الفهم وقصور في الوعي.
ليس من حق أيّ إنسان، مهما كان موقعه أو سلطته، أن يعاقب إنسانًا سويًّا نفسيًا أو اجتماعيًا بحجج التربية أو الضبط أو “فرض الهيبة”. فالإنسان العاقل يُخاطَب بالعقل، لا بالخوف، ويُقنَع بالحوار، لا بالكسر. العقاب لا يُنتج وعيًا، بل يُنتج كبتًا، والكبت لا يلد إلا انفجارًا مؤجلًا أو شخصية مهزوزة تتقن التظاهر وتفشل في الصدق.
المؤلم أن ما نشهده اليوم هو تطبيعٌ مع المجاكرة والمجاهرة بالقوة؛ كأنها اصبحت سلوكًا عاديًا ومقبولًا، وكأن العقول فقدت بوصلتها، فلم تعد تميّز بين الحزم والبطش، ولا بين التربية والسيطرة. من لا يملك الحُجّة يرفع صوته، ومن لا يملك الفهم يلجأ للعقاب، ومن يعجز عن الحوار يختبئ خلف القسوة.
العقاب لا يعلّم المسؤولية، بل يعلّم الخوف. لا يبني القيم، بل يبني الحواجز. ولا يُصلح الخطأ، بل يُعلّم كيف نُخفيه. أما الأسلوب الحقيقي القادر على التغيير، فهو الفهم، الاحتواء، والعدل. أن تُحاسب الإنسان باحترام، وتُواجه الخطأ بوعي، وتمنح الفرصة للتصحيح لا للإهانة.المجتمعات لا تنهض بالقوة، بل بالوعي. ولا تُربّى بالعقاب، بل بالقدوة. وكل مجتمع يُكثِر من العقاب، إنما يُعلن فشله في التربية، وفقره في الحكمة، وعجزه عن بناء إنسان سويّ قادر على الفهم لا الخضوع.
العقاب قد يُسكت، لكنه لا يُقنِع. وقد يُخضع، لكنه لا يُغيِّر. والإنسان الذي يُربّى على الخوف، إمّا أن يصبح نسخة من جلّاده، أو روحًا مكسورة لا تعرف السلام.
ريم الصوفي
